ابن الجوزي

585

كتاب ذم الهوى

فصل : فإن قال قائل : قد كبرت جنايتي على نفسي ، وكررت النظر ، وانتقشت صورة المحبوب في قلبي ، وأورثت القلق الدائم ، ورأت النفس أنها تستشفي من هذا المرض بتكرار النظر والزيارة للمحبوب ، فلما فعلت زاد الأمر بي ، وما أقدر أن أصبر عن الحبيب لحظة ، فهل لهذا من علاج أتلافى فيه أمري قبل التلف ؟ . فالجواب : كيف آمرك بهجر من لا تصبر عنه لحظة ، وكيف لا آمرك وأنت على شفا هلكة قد لعبت ببدنك ودينك ، فأنت كما قال الشاعر : كثر فيك اللّوّم * وأين سمعي وهم وقال الآخر : بكرت صبحا عواذله * ورسيس الحبّ قاتله هو في واد وليس به * والهوى عنهن شاغله يتمنين السّلوّ له * ومناه من يواصله ومع هذا فلا بد لي من نصيحتك ، ما دام الكلام يصل إلى سمعك . إن كان التردد إلى محبوبك ، يتردد في قلبك : فلا تأتينّ إلى واعظ * فلست بمنتفع بالعظات إنما يوصف الدواء لمن يقبل ، فأما المخلط فإن الدواء يضيع عنده ، فإن صحّ عزمك على استعماله فاسمع أصف لك . اعلم أن الخيال الذي وقع لك ، من أن التزاور والنظر يشفي بعض المرض خيال فاسد . فإن قلت : فأراني أسكن في تلك الحالة .